واصف جوهرية
مقدمة 35
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
الفترة : بروز قومية عربية علمانية ؛ فصل الهوية الوطنية الفلسطينية عن سياقها الشامي ؛ تعزيز دور مدينة القدس كعاصمة للبلاد . المذكرات الجوهرية في الميزان توفر المذكرات الجوهرية مادة دسمة للباحث التاريخي في عدة مجالات من أهمها : تبلور تراث موسيقي شعبي إقليمي يربط بين بلاد الشام ومصر ، من خلال تطور تكنولوجيا الإنتاج الموسيقي السماعية ( الأسطوانة الشمعية واللدنة ، الغرامافون والمذياع ) ، ومن خلال تكثيف التواصل بين المغنين والتخوت الشرقية القادمين من مصر إلى الشام ، والهجرة المعاكسة ، وظهور المنابر المناسبة لهذه الحفلات الموسيقية - ومن أهمها الكباريهات والمقاهي ، حيث يحتل المقهى نصيب الأسد في وصف جوهرية لأماكن الأداء الموسيقي لفنه وجمهوره . وفي وصف جوهرية للحياة اليومية التي عاصرها نكتشف ، أو بالأحرى نعيد اكتشاف مجتمع متغير لم يعد معنا ، لكنه يسلط الأضواء على تبلور حداثة المدينة الفلسطينية ، وانعتاق القدس من حاراتها المحصورة داخل السور إلى رحاب الضواحي الجديدة غربي البلدة القديمة وشماليها . وفي هذا الخطاب نكتشف أيضا - وهنا تقع أصالة كتابات جوهرية - أن الحياة الاجتماعية داخل السور لم تكن مكبوتة ولا متقوقعة كما هو سائد . فالعلاقات الجوارية هناك تمكنت من تجاوز الحدود الطائفية والإثنية وبشكل حميمي غير متوقع كما سيتضح من وصف الروابط التكافلية بين عائلة جوهرية وآل الحسيني . ومع أن هذه العلاقة بدأت كعلاقة محسوبية في العهد العثماني إلّا إنها نمت واتخذت أشكال صداقات وروابط شخصية في الفترة الانتدابية بعد انهيار النظام الالتزامي القديم . الأهم من ذلك أن هذه المذكرات تتحدى النظرة التقليدية إلى مجتمع القدس بوصفه مجتمعا محافظا منغلقا يعتاش من الأوقاف الدينية واقتصاد الحجيج . ونجد في جوهرية وجهين لهذا التحدي : الأول في وصفه مظاهر الدين الشعبي الذي يجمع بين الطابع الاحتفائي للمواسم والأولياء والمزارات ، والذي يدمج الموسيقى الشعبية مع الطقوس الدينية الأزلية لأتباع الديانات الثلاث مع بقايا التراث الديني المخضرم والسابق للتوحيد ( ربما تراث يبوسي كنعاني ) . وتتجلى في هذه المواسم مشاركة أهل الطائفة باحتفالات الآخر كما نرى في مواسم النبي روبين والنبي موسى وعيد الخضر ( مار جريس ) ، حيث يشترك المسلم والمسيحي واليهودي في إحياء الذاكرة الجماعية الشعبية . ونراه أيضا في بروز ثقافة علمانية جديدة لدى أبناء فلسطين من الطبقات الوسطى أبدع جوهرية في الاحتفال بها والمشاركة في صنعها ، وهي ثقافة المسارح والمقاهي والأمسيات الغنائية - خاض المؤلف غمارها بداية في فرقة الجيش العثماني في القدس ، ثم انتقل إلى أدائها في موسيقى الأفراح والاحتفالات الخاصة ، ثم شارك في موسيقى المسارح العامة والمقاهي الجماهيرية . إن المقابلة بين هذين المظهرين للحداثة ونتائجهما لافت للنظر . فالتوليفة الدينية للدين الشعبي ( مثلا في احتفالات النبي موسى والنبي روبين الشعبية ) تبلورت في اتجاه قومي في الصراع الدامي بين الترعة القومية العربية في العشرينات والثلاثينات وبين الحركة الصهيونية . من ناحية أخرى فإن الثقافة العلمانية الشعبية امتدت وتخدرت في الأربعينات ، واكتسبت زخما عندما أصبحت الجسر الواصل بين ثقافة فلسطين المدينية وثقافة الموسيقى والمسرح والسينما في العالم العربي . جنود عثمانيون في فلسطين في إبان الحرب العظمى الأولى . الصورة من المجموعة الجوهرية . المصور غير معروف .